دخل المنتخب الإنجليزي المباراة بقوة هجومية كبيرة، ونجح في مباغتة الفرنسيين منذ الدقيقة الثالثة، عندما تقدم ديكلان رايس إلى الأمام وسدد كرة منح بها إنجلترا هدفًا مبكرًا. ولم يكتف رايس بالتسجيل، بل لعب دورًا في الهدف الثاني، إذ نفذ ركلة ركنية في الدقيقة 18 حولها إزري كونسا برأسه إلى الشباك، لتجد فرنسا نفسها متأخرة بهدفين في وقت مبكر.
واستمرت معاناة الدفاع الفرنسي أمام السرعة والتمريرات الإنجليزية المباشرة، وكان بوكايو ساكا أبرز المستفيدين من المساحات الكبيرة. فسجل هدفه الأول في الدقيقة 37، قبل أن يعود ويضيف هدفًا ثانيًا بعد تسع دقائق، لتنتهي الدقائق الأولى من المباراة بصورة كارثية بالنسبة إلى فرنسا، التي دخلت الاستراحة متأخرة بأربعة أهداف دون رد.

لكن المباراة تغيرت بصورة كاملة بعد الاستراحة. وأجرى المدرب الفرنسي ديدييه ديشان تعديلات دفاعية بإشراك دايو أوباميكانو ولوكاس ديني، فتحولت الأفضلية تدريجيًا إلى المنتخب الفرنسي. وبعد ثلاث دقائق فقط من بداية الشوط الثاني، سجل كيليان مبابي هدف فرنسا الأول، ثم أضاف برادلي باركولا الهدف الثاني في الدقيقة 54، لتعود المباراة إلى الاشتعال من جديد.
وفي الدقيقة 66، سجل مبابي هدفه الشخصي الثاني والثالث لفرنسا، مستفيدًا من تمريرة حاسمة لمايكل أوليسيه، لتتحول النتيجة من تقدم إنجليزي مريح برباعية نظيفة إلى 4-3. وبات المنتخب الإنجليزي تحت ضغط هائل، فيما اقترب الفرنسيون في أكثر من مناسبة من إدراك التعادل بعد أن استعادوا السيطرة والثقة اللتين افتقدوهما تمامًا في الشوط الأول.

وفي الوقت الذي بدا فيه أن فرنسا قد تكمل عودتها التاريخية، حصلت إنجلترا على ركلة جزاء قبل ثلاث دقائق من نهاية الوقت الأصلي، سجل منها ساكا هدفه الثالث في المباراة، ليكمل الثلاثية الشخصية ويرفع النتيجة إلى 5-3.
ولم تكن الإثارة قد انتهت بعد، إذ سجل عثمان ديمبيلي الهدف الفرنسي الرابع في الدقيقة السادسة من الوقت المحتسب بدل الضائع، لتعود الآمال الفرنسية للحظات، لكن جود بيلينغهام حسم المواجهة نهائيًا بتسجيل الهدف الإنجليزي السادس في الوقت بدل الضائع، منهياً مهرجانًا تهديفيًا غير مسبوق في مباريات تحديد المركز الثالث.
وحملت المباراة أرقامًا تاريخية عدة. فقد أصبح مبابي، بفضل هدفيه، صاحب الرقم القياسي لعدد الأهداف المسجلة في تاريخ كأس العالم برصيد 22 هدفًا، متجاوزًا ليونيل ميسي الذي كان يملك 21 هدفًا قبل خوض الأرجنتين المباراة النهائية أمام إسبانيا. كما رفع مبابي رصيده في مونديال 2026 وحده إلى عشرة أهداف. أما بيلينغهام، فوصل إلى هدفه السابع في البطولة، وهو رقم قياسي للاعب إنجليزي في نسخة واحدة من كأس العالم. كما أصبحت المباراة، بأهدافها العشرة، الأكثر تهديفًا في تاريخ مباريات تحديد المركز الثالث.

وبالنسبة إلى فرنسا، كانت الخسارة مؤلمة بصورة مضاعفة، لأنها جاءت في المباراة الأخيرة لديدييه ديشان بعد 14 عامًا على رأس الجهاز الفني للمنتخب. وانتهت بذلك حقبة تاريخية قاد خلالها ديشان فرنسا إلى لقب مونديال 2018 ووصافة مونديال 2022، إضافة إلى إنجازات أخرى. وقد أقر ديشان بمسؤوليته عن الأداء الفرنسي السيئ في الشوط الأول، فيما اعتبر مبابي أن المنتخب استعاد شخصيته الحقيقية في الشوط الثاني، لكنه دفع ثمن الانهيار الكبير الذي حدث قبل الاستراحة.
أما إنجلترا، فأنهت مشوارها المونديالي بانتصار معنوي كبير، بعد خيبة الخروج من نصف النهائي، ونجحت في إحراز المركز الثالث للمرة الأولى، بعدما كانت قد خسرت مباراتي تحديد المركز الثالث في نسختي 1990 و2018. وكانت المباراة في مجملها مواجهة ذات وجهين متناقضين: شوط أول إنجليزي كاسح، وشوط ثان فرنسي مثير، قبل أن تحسم إنجلترا المواجهة في الدقائق الأخيرة بفضل ساكا وبيلينغهام.