استهل الكاتب البروفيسور آشر كوهين مقاله بالإشارة إلى أن الاهتمام الإعلامي والسياسي يتركز على انقسام أحزاب اليمين، وما قد يسببه من تهديد لأغلبية المعسكر، بينما تتواصل في المعسكر المقابل عمليات توحيد القوى واستثمار الأصوات بهدف تشكيل كتلة مانعة. وأوضح أن الاتفاق الأخير بين التجمع الوطني الديمقراطي والجبهة الديمقراطية والعربية للتغيير لخوض الانتخابات بقائمة عربية مشتركة يمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه.
وأشار كوهين إلى أن سقوط حزب ميرتس في انتخابات عام 2022 بعد حصوله على 3.16 في المئة من الأصوات يحظى باهتمام واسع، لكنه لفت إلى أن التجمع الوطني الديمقراطي كان قريبًا بدوره من نسبة الحسم، بعدما حصل على 2.91 في المئة، أي ما يعادل أكثر من ثلاثة مقاعد. وبيّن أن التجمع، باستثناء انتخابات واحدة حصل فيها على مقعدين، نال ثلاثة مقاعد في كل مرة خاض فيها الانتخابات بصورة مستقلة.
وتطرق الكاتب إلى ثلاثة عوامل أساسية لفهم أنماط تصويت المواطنين العرب، هي حجم الأصوات التي تضيع بسبب عدم تجاوز نسبة الحسم، وتوزيع الأصوات بين الأحزاب العربية والأحزاب العامة، والأهم نسبة المشاركة العربية مقارنة بنسبة التصويت في المجتمع اليهودي.
وأكد كوهين أن الاتفاق على خوض الانتخابات بقائمة مشتركة سيمنح الأحزاب العربية قوة انتخابية إضافية، إذ لن تخسر أي من الأحزاب الأربعة أصواتًا بسبب عدم تجاوز نسبة الحسم. لكنه شدد على أن منع ضياع الأصوات لا يمثل سوى جزء واحد من عملية استنفاد القوة الانتخابية العربية.
وأوضح الكاتب أن المجتمع العربي يشهد أكبر تفاوت في نسب المشاركة الانتخابية، مستشهدًا بانتخابات عام 2021 التي تراجعت فيها المشاركة إلى نحو 45 في المئة، مقابل أكثر من 67 في المئة لدى الأغلبية اليهودية. وفي انتخابات 2022 ارتفعت المشاركة العربية إلى نحو 53 في المئة، رغم عدم وجود قائمة عربية مشتركة.
وأشار كوهين إلى وجود علاقة واضحة بين تشكيل قائمة عربية مشتركة، كاملة أو جزئية، وبين ارتفاع نسبة المشاركة الانتخابية. واستشهد بانتخابات عام 2020، عندما بلغت المشاركة العربية نحو 65 في المئة، وحصلت القائمة المشتركة التي ضمت الأحزاب العربية الأربعة على 15 مقعدًا. في المقابل، سجلت المشاركة انخفاضًا حادًا إلى نحو 45 في المئة بعد تفكك القائمة المشتركة.
ولفت الكاتب إلى عامل آخر يتمثل في انتقال جزء متزايد من أصوات الناخبين العرب من الأحزاب العامة إلى الأحزاب العربية. ووفق المعطيات التي أوردها، بلغت نسبة دعم الأحزاب العامة بين الناخبين العرب في الانتخابات الأخيرة نحو 14 في المئة فقط.
وفي ما يتعلق بمعسكر اليسار، رأى كوهين أن الصورة أصبحت أكثر تعقيدًا. فمن ناحية، فإن انضمام التجمع الوطني الديمقراطي إلى القائمة المشتركة يحسن فرص تشكيل كتلة مانعة، خصوصًا بعد تراجع حجم الأصوات التي ضاعت في الانتخابات السابقة بسبب عدم تجاوز ميرتس والتجمع نسبة الحسم، والتي بلغت مجتمعة نحو 6 في المئة.
لكن الكاتب اعتبر أن تحسن فرص تشكيل كتلة مانعة يزيد في الوقت نفسه من الإشكالية السياسية المرتبطة بالاعتماد على الأحزاب العربية. وأشار إلى النقاش الذي بدأ داخل معسكر اليسار بشأن تشكيل حكومة أقلية تستند إلى كتلة مانعة بدعم من الأحزاب العربية، معتبرًا أن مثل هذا الخيار قد يلقى قبولًا لدى بعض مؤيدي المعسكر، لكنه سيواجه صعوبات كبيرة بسبب مواقف التجمع الوطني الديمقراطي.
وأوضح كوهين أن التجمع هو الأكثر تشددًا بين الأحزاب العربية في موقفه من تعريف إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، مشيرًا إلى أن مواقفه المعلنة تختلف عن مواقف القائمة العربية الموحدة التي يرى أنها تحاول تقديم مواقفها الأساسية بصورة أقل حدة.
وخلص الكاتب إلى أن اليسار سيأمل في تحقيق الكتلة المانعة من دون الحاجة إلى دعم التجمع الوطني الديمقراطي، لأن دعم هذا الحزب، إذا وافق عليه أصلًا، قد يكون مصدر إشكال سياسي كبير. وفي المقابل، بينما تتواصل في معسكر اليسار عمليات توحيد القوى واستثمار الأصوات، يستعد اليمين للإعلان عن قائمة يمينية جديدة، ما يجعل خريطة المنافسة الانتخابية أكثر تعقيدًا.